منوعات

معادلة السعادة !

السعادة مفهوم فضفاض يدركه كل منا من جوانب متعددة،

فيراها كل شخص من زاوية مختلفة حيث تتشكل سعادته من خلال مفهومه الشخصي وما يمتلكه من خبرات وما يتمناه من احتياجات.

لكنها تعني بشكل عام الشعور بالراحة والانسجام مع النفس.

وهي أيضاً مفهوم نسبي، قد يكون عقلاني للبعض بتحقيق هدف يتمناه، أو عاطفي عند آخرين بالوصول لارتباط يشبع عاطفته،

والأصعب أن يتبناه البعض كمفهوم خيالي حالم لا حدود له وبالتالي يصعب الوصول إليه.

ودائماً ما يتساءل الكثيرون في كيفية الحصول على السعادة أو الوصول إليها. فهم يستشعرون وجودها بشكل واضح عند الآخرين من خلال مقاييسهم الشخصية التي تبحث عما يتمنونه أو يفتقدونه وبالتالي يعتقدون أن بوجوده تحصل السعادة.

لذا فهم يعتقدون سعادة الآخرين لمجرد وجود ما يتمنونه لأنفسهم معهم بينما لا يشعرون بوجودها في حياتهم لافتقادهم إياها.

وفي الحقيقة أننا جميعاً نعيش في أحضانها لكن بأشكال مختلفة وبنسب مختلفة أيضاً.. فلا تجتمع عوامل السعادة لشخص بشكل كامل،ولا يحرم منها آخر بشكل مطلق.

فهي متواجدة لكن بنسب متباينة موزعة بين العباد جميعهم،

وذلك لأن الحياة لا تكتمل فهي ليست دار النعيم والراحة بل دار الابتلاء والصبر،

فالمشكلة لا في وجود السعادة وسبل البحث عنها.. بل في غض الطرف عنها وعن الإحساس بها دون وعي، ويرجع ذلك لعامل مهم يسيطر على عقول الكثيرين وهو التركيزعلى مايملكه الآخرين مع تجاهل ما يملكونه،

بالإضافة إلى التركيز على ما ينقصهم لا على ما بين أيديهم من نعم.

ويحدث ذلك المنهج الحياتي تبعاً لوجود التفكير المشوه للإدراك والمشاعر عبر فلتر الانتقاء الذهني الذي يحيز التفكير، ليكون التركيز على ما ينقص وما هو غير موجود أو ما نتمناه فيحيدنا عن التفكير بما نملكه وما نتمتع به،

فالسعادة مرهونة بأنماطنا الفكرية حول الأحداث من حولنا ولا تتعلق بالأحداث نفسها.

ويمكن تقريب الصورة في هذا النمط الفكري من خلال القصة التي تُروى قديماً في أن الملك اشتكى لأحد وزرائه تعاسته رغم امتلاكه للكثير، وفي الوقت نفسه تعجب من سعادة خادمه رغم افتقاره للكثير فأراد الوزير إيضاح الموقف للملك، فأشار عليه بوضع صرة من الدنانير على باب الخادم وكتابة مئة دينار عليها بينما هي تسع وتسعون فقط. وعندها رأى الملك انقلاب حال خادمة وتعاسته، نتيجة انشغاله بالبحث عن الدينار المكمل للمئة وانشغال باله في أين يمكن أن يجده؟ رغم امتلاكه للتسع وتسعين الباقية! وكيف أن انشغاله بما هو غير موجود أفسد عليه سعادته بما معه رغم كثرته، وقلة ما يفقد.

وهذا ما يسمى بمبدأ 99 والذي يرمز لتغافلنا عن تسع وتسعين نعمة نمتلكها وانشغالنا بنعمة واحدة نفتقدها لحكمة قدرها الله ولذلك لا نشعر بالسعادة،

وهذا ما أشارت إليه القصة السابقة فهي وإن كانت قصة رمزية لكن توقظ إدراكنا بأننا كثيراً ما نضيع على أنفسنا الإحساس بالسعادة بالتركيز على ما لا نملك وغض الطرف عما في أيدينا رغم أنه أضعاف ما نفتقد،

وأيضاً بأن السعادة لا فيما نملك بل فيما القناعة والرضا.

فالسعادة قرار واختيار وهي أيضاً حالة شعورية نحن من نصنعها بناء على نمط فكري إيجابي وإشباع نفسي يجمع بين الرضا والقناعة، ويمكن اختصارها في المعادلة الآتية:

معادلة السعادة: فكر سليم + رضا + قناعة = فرق

فالرضا عن أنفسنا وحياتنا وما نملك وما قدره الله لنا يبعد السخط ويجلب الشكر، وبالشكر تدوم النعم، وبالقناعة بما في أيدينا وأن الدنيا لا تكتمل في يد أحد تستقر أنفسنا ويتجه تفكيرنا إلى من هو دوننا في الحياة، لنزداد قناعة بما أنعم الله علينا.

والفكر السليم العقلاني الإيجابي منهج متكامل في تعاملنا مع أنفسنا لنحقق ذواتنا بالتطوير، فهو فكر يحول دون مقارنتنا بغيرها حتى لا تنكسر أنفسنا ونقزمها ونصغر إنجازاتها مقارنة بالآخرين،

بل يجعلنا منشغلين بالتفكير بأنفسنا، لنرتقي ونستشعر إنجازاتها كما أنه فكر يحدد ما نريده وكيف نصل إليه وكيف نفكر فيمن حولنا بمرونة وبمنظار الواقعية بتقبل الآخر كما هو فلا مجال لتغيير جميع من حولنا إنما نستطيع تغيير أنفسنا، لنرى من حولنا بشكل مختلف ولنكون أكثر تصالحاً مع ذواتنا فنرى العالم بأسره بمنظار جديد.

وتنجح معايير هذه المعادلة إن تم تغليفها بالإطار الروحي بالقرب من الله والذي يعتبر ركيزة الاستقرار النفسي وجوهر السعادة،

ولو جمعنا أوائل أحرف أطراف المعادلة سينتج لدينا (فرق). وهو ناتج حقيقي فكلها عوامل إن اجتمعت أحدثت الفرق لا في مشاعرنا وحياتنا فقط بل في نظرتنا لأنفسنا ولكل ما هو حولنا، وعندها نستشعر الفرق بوضوح عندما نُدرك أن السعادة مفهوم داخلي لا خارجي، وبالتالي نشعر بها تشع من داخلنا دون أن نعلقها على أمور حياتية مُقتبسة من الأحداث من حولنا.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock