العالم الأمازيغي

معركة أنوال، جزء من حرب الريف

معركة أنوال

في 21 يوليو 1921 تعتبر من المعارك الشهيرة في التاريخ العسكري،

حيث انتصر أهل جمهورية الريف في شمال المغرب بقيادة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي على إسبانيا.

فئة قليلة من الريفيين وبوسائل بسيطة حققوا نصرا على جيش عتيد وأسلحة متطورة فتاكة،

وتمكن اهل الريف من قتل 25,000 عسكري مستعمر من الإسبان.

تعد معركة أنوال من أهم المعارك التي شهدها العالم الحديث في القرن العشرين،

وقد خاضها عبد الكريم الخطابي ضد الاستعمار الإسباني معتمدا في ذلك على حرب شعبية كان لها صيت عالمي كبير.

إذاً،

  • ماهي أسباب ودواعي هذه الحرب الضروس؟
  • وما هي الخطة التي اتبعها عبد الكريم في هذه المعركة؟
  • وما هي نتائجها؟

هذه هي الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها في موضوعنا هذا،

[ads1]

خرج مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 بوضع المغرب تحت الحماية الأجنبية،

فاستهدفت اسبانيا شماله و جنوبه، بينما ركزت فرنسا على وسطه.

أما طنجة فكانت منطقة دولية،

لقد واجهت إسبانيا أثناء تغلغلها في منطقة الريف الشرقي مقاومة شرسة وحركة جهادية قادها محمدالشريف أمزيان من سنة 1906 إلى 1912،

وكانت حملة الشريف الدفاعية منصبة على عرقلة تغلغل الأسبان في أزغنغان بعد مدّه للسكة الحديدية لاستغلا ل مناجم الحديد في أفرا و جبل إكسان،

وقد كبد الشريف الاسبان خسائر مادية وبشرية، كما قضى على ثورة الجيلالي الزرهوني أو ما يسمـــى بو حمارة أو الروكي،

وبعد موت الشريف أمزيان في 15 ماي 1912 ستواصل أسرة عبد الكريم الخطابي النضال المستميت ضد التكالب الاستعماري: الأسباني والفرنسي،

وستقف في وجه أطماع الحكام الاسبان والطبقة الأرستقراطية المناصرة لسياسة الحرب وأطماع الحزب الحاكم،

ولما أحس محمد عبد الكريم الخطابي بأطماع إسبانيا في الريف الشرقي التي تتمثل في احتلال الحسيمة و الحصول على خيرات الريف واستغلال معادنها بعد استيلائها على الناظور و تطوانو الاستعداد للانقضاض على ثورة الريسوني لاحتلال شفشاون،

قرر سي محمد أن يؤسس إمارة جهادية، وذلك بتوحيد قبائل الريف مثل:

كزناية و بني ورياغل و تفرسيت و بني توزين وتمسمان إلخ.. وأسس إمارته على أحكام شريعة الله وأنظمة الإدارة الحديثة،

وأبعد الريفيين عن الفوضى و الثأر، وأجبرهم على الاحتكام إلى عدالة الشرع والقضاء الإسلاميين.

هذا وقد أحدث عهد عبد الكريم قطيعة بين عهدين:

  • 1- عهد السيبة والفوضى الذي يمتد من أواخر القرن 19 إلى أوائل العقد الثاني من القرن العشرين بكل ما شهده من سخائم و نعرات عشائرية.
  • 2- عهد الثورة التحريرية الممتدة من1921 إلى 1926، إذ عرف الريف عدة إصلاحات وفي مقدمتها القضاء على حدة الفوضى و الثأر.

ولما عرف عبد الكريم نوايا حكومة أسبانيا الاستعمارية نظم جيشه أحسن تنظيم على الرغم من نقص العدد والعدة،

وكان عبد الكريم مثالا في الشجاعة والبطولة و العدل والتشبع بالاسلام، لذلك اتخذه الريفيون بطلا جماهيريا يقود ثورة شعبية من الجبليين والفلاحين للدفاع عن ممتلكاتهم و أعراضهم باسم الجهاد والحق المبين،

ولايعني هذا أن إمارة الريف مستقلة عن السلطة المركزية، بل كانت موالية لها أتم الولاء والخضوع والاحترام، فرضتها الظروف المرحلية و العسكرية،

وقد أثبت جرمان عياش في كتابه “أصول حرب الريف” هذه التبعية والولاء عندما أقام المؤلف “لائحة بأسماء عمال مخزنيين تمتد من 1835 إلى 1900 وتشهد على استمرار حضور ممثلين عن المخزن في الإقليم،

كما كشف عن وجود ست قصبات في مختلف أنحاء الريف ترابط بها حاميات مخزنية، وكل هذا يدل على أن الريف كان خاضعا للسلطة المركزية على عكس ما تدعيه الروايات الأجنبية، ولم تكن ثورة الريف التحريرية لـ عبد الكريم بدافع إقليمي، بل كانت بدافع وطني ضد الاستعمار، وبدافع قومي لتحرير الشعوب الإسلامية من ربقة الاستعمار والجهل والتخلف،

وإذا انتقلنا إلى سيناريو معركة أنوال، فقد بدأت إسبانيا تعقد أملا على احتلال خليج الحسيمة بعد أن عقد المقيم العام الجنرال بيرينغير صلحا مع قبائل الريف، واستقبل بحفاوة من قبائل الأعيان و بعض الرؤساء من الريف، وعاد المقيم العام إلى تطوان متفائلا مسرورا و مشيدا بعمل سلبستري القائد العام للجيوش الغازية المعتدية.

كما اطمأن وزير الحرب الاسباني إيزا إلى هذا الوضع المريح عسكريا و سياسيا،

و على الرغم من هذا التفاؤل الزائد، كان الريفيون وخاصة رجال بني سعيد وبني وليشك وأهل كرت على أهبة للانقضاض على عدوهم سلبستري الذي أحرق غلتهم و منازلهم،

وصادر أغنامهم دون أن يدفع لهم تعويضا مقابلا عن ذلك،

ودفعهم إلى الهجرة نحو الجزائر خوفا من بطشه، و من موت الفقر والجفاف،

هذا، وقد اتفق الجنرال بيرينغير مع رئيس الشرطة الأهلية بمليلية الكولو نيل غبريل موراليس على التوجه نحو الريف للتفاوض مع عبد الكريم، وذلك بإغرائه ب7 ملايين دولار، زيادة على أسلحة حديثة و جميع أنواع الذخيرة التي تمكنه من مقاومة الجيش الفرنسي مقابل التنازل عن خليج الحسيمة،

لكن عبد الكريم رفض هذه المساومات، وأصدر أمرا يقضي بفرض غرامات على كل من يتفاوض مع الاسبان في هذه القضية المصيرية، كما هدد الاسبان بعدم اجتيازهم وادي أمقران و إلا سيتصدى لهم الأبطال الأشاوس من تمسمان و تفرسيت و بني توزين،

وقد أثار هذا التهديد حفيظة سلبستري، و قرر غزو المنطقة ساخرا من تهديدات عبد الكريم ومستصغرا من شأنه ومن عُدته الحربية،

و بعد ذلك، بدأ سلبستري في بناء الثكنات و الحاميات العسكرية لتسهيل الإمدادات الحربية وتأمين وجود قواته و تمركزها بشكل أفضل و مقبول في كل المناطق الريفية الإستراتيجية،

فاقترب الجنرال من دهار أبران في أواخر شهر ماي1921 لمحاصرة الموقع، الريفيين تصدوا للجيش الغازي و ألحقوا به هزيمة شنعاء مازال يتذكرها الشعر الأمازيغي قديما و حديثا،

و عليه، فقد ” توجه الثوار بهجوم ضد مركز دهار أبران فاقتحموه، وقتلوا جميع من كان به من ضباط و جنود إلا عددا قليلا استطاع الهروب، فالتحقوا إما بأنوال و إما بسيدي إدريس

وأصدر الجنرال برينغير أوامره لسلبستري بعدم التقدم إلى الأمام، لكنه لم يعر أدنى اهتمام لهذه الأوامر،وتوجه مباشرة نحو أنوال للسيطرة على الموقع،

و هناك نشبت معركة حامية الوطيس دامت خمسة أيام شارك فيها العدو ب25 ألف من الجنود، و لم يحضر إلى أنوال من مجاهدي عبد الكريم سوى ألفي مجاهد،

أما الجنود الآخرون فكانوا ينتظرون الفرصة السانحة، و يترقبون الأوضاع مع زعيمهم عبد الكريم بأجدير،

وفي الساعة السادسة مساءا من 20 يوليوز 1921، وصل عبد الكريم ب1500 جندي إلى موقع أنوال، لتشتعل الحرب حتى صباح 21 يوليوز من نفس السنة و انتهت الحرب بانتحار سلفستري و موت الكولونيل موراليس الذي أرسل عبد الكريم جثته إلى مليلية، لأنه كان رئيسه في إدارة الشؤون الأهلية سابقا،

وقد اتبع عبد الكريم في هذه المعركة خطة التخندق حول إغريبن، و منع كل الإمدادات و التموينات التي تحاول فك الحصار على جيش العدو،

وكانت الضربة القاضية لمركز إغريبن عندما أدرك المجاهدون نقطة ضعف الجنود الاسبان المحاصرين المتمثلة في اعتمادهم على استهلاك مياه عين عبد الرحمان بـ وادي الحمام الفاصل بين إغريبن و أنوال،

فركزوا حصارهم حول هذا النبع المائي، و بذلك حرم الجنود الأسبان من الماء، واشتد عطشهم إلى درجة اضطرارهم إلى شرب عصير التوابل وماء العطر و المداد، ولعق الأحجار، بل وصل بهم الأمر إلى شرب بولهم مع تلذيذه بالسكر… كما جاء في المصادر الإسبانية،

وقد تتبعت جيوش عبد الكريم فلول الجيش الأسباني، وألحق به عدة هزائم في عدة مواقع ومناطق مثل: الدريوش وجبل العروي وسلوان فأوصله حتى عقر داره بمليلية،

وبعد ذلك أصدر عبد الكريم أمره بالتوقف وعدم الدخول إلى مليلية المحصنة لاعتبارات دولية وسياسية وعسكرية، وفي هذا يقول أزرقان مساعده الأيمن في السياسة الخارجية:

“نحن الريفيين لم يكن غرضنا التشويش على المخزن من أول أمرنا، ولا الخوض في الفتن كيفما كانت، ولكن قصدنا الأهم، هو الدفاع عن وطننا العزيز الذي كان أسلافنا مدافعين عنه، و اقتفينا أثرهم في رد الهجومات الاعتدائية التي قام بها الاسبان منذ زمان، وكنا نكتفي بالدفاع عن الهجوم عليه فيما احتله من البلدان مثل مليلية التي كان في طوقنا أخذها بما فيها، من غير مكابدة ضحايا جهادية، لكنا لم نفعل ذلك لما كنا نراه في ذلك من وخامة العاقبة، فانه ليس عندنا جند نظامي يقف عند الحدود التي يراعيها…”

و يعترف عبد الكريم بغلطته الكبرى عن عدم استرجاعه لمليلية في مذكراته:

“على إثر معركة جبل العروي، وصلت أسوار مليلية، وتوقفت، وكان جهازي العسكري ما يزال في طور النشوء. فكان لابد من السير بحكمة، وعلمت أن الحكومة الأسبانية وجهت نداء عاليا إلى مجموع البلاد، وتستعد لأن توجه إلى المغرب كل ما لديها من إمدادات، فاهتممت أنا من جهتي بمضاعفة قواي و إعادة تنظيمها، فوجهت نداء إلى كل سكان الريف الغربي، و ألححت على جنودي وعلى الكتائب الجديدة الواردة مؤخرا بكل قوة، على ألا يسفكوا بالأسرى ولا يسيئوا معاملتهم، ولكني أوصيتهم في نفس الوقت وبنفس التأكيد، على ألا يحتلوا مليلية، اجتنابا لإثارة تعقيدات دولية وأنا نادم على ذلك بمرارة وكانت هذه غلطتي الكبرى”

ومن نتائج معركة أنوال ما غنمه الريفيون من عتاد عسكري حديث، وفي هذا الصدد يقول عبد الكريم في مذكراته أيضا:

“ردت علينا هزيمة أنوال 200 مدفع من عيار 75 أو 65 أو 77، وأزيد من 20000 بندقية ومقادير لا تحصى من القذائف وملايين الخراطيش، وسيارات و شاحنات، وتموينا كثيرا يتجاوز الحاجة وأدوية، وأجهزة للتخييم، و بالجملة، بين عشية وضحاها و بكل ما كان يعوزنا لنجهز جيشا و نشن حربا كبيرة، وأخذنا 700 أسير، وفقد الأسبان 15000 جندي ما بين قتيل و جريح”

وكان لهذا الانتصار الريفي في معركة أنوال صدى طيب على المستوى الوطني والعربي، وقيل الكثير من الشعر للإشادة بهذه النازلة العظيمة، وقد شاع بعد ذلك أن بعض الأدباء جمع ما قيل في موضوع الحرب في ديوان سماه الريفيات،

وعلى المستوى الإعلامي، وقف الرأي العالمي من الحركة التحريرية الريفية موقفين متقابلين: موقف مؤيد وموقف معارض، فالتيار المعارض هو بطبيعة الحال التيار الكولونيالي المتشبع بالفكر الاستعماري الذي له مصالح كثيرة و مشاريع لها علاقة بالمستعمرات،

حيث كان من الطبيعي أن يقف مدافعا و مؤيدا لكل السياسات التي كانت ترمي إلى تقوية النفوذ الاستعماري و خدمة أطماعه، ولكن بأقل التضحيات، وكان هذا التيار يتكون من اليمين الأوربي بمفهومه الواسع، ومن النخبة الأرستقراطية بصفة خاصة،

وقد انضافت إليه ومن تلقاء نفسها، أصوات يهودية كانت تعتبر نجاح الثورة الريفية بمثابة القضاء الأكيد على تواجد الجاليات اليهودية بالشمال الإفريقي… أما التيار الثاني، فقد كان يشكله أساسا الرأي العام الشيوعي…،

أما في أمريكا اللاتينية، فكان ينظر إلى عبد الكريم بمثابة بطل ثوري عالمي يشبه عندهم سيمون بوليفار أحد رواد الحركة التحريرية هناك،

أما الرأي العام الإسلامي فقد كان يعلق آمالا كثيرة على نجاح الثورة الريفية، وعبر عن استنكاره في أكثر من مناسبة تضامنا مع المسلمين في الريف، لكنه كان مغلوبا على أمره،

ولقد اتخذت خطة عبد الكريم الحربية تكتيكا عسكريا لدى الكثير من الزعماء والمقاومين في حركاتهم التحريرية عبر بقاع العالم لمواجهة الإمبريالية المتغطرسة مثل: هوشي منه و ماوتسي طونغ و عمر المختار و تشيغيفارا وفيديل كاسترو،

ولا ننسى كذلك الثورتين: الجزائرية و الفلسطينسة، وكانت لهذه الحرب انعكاسات سياسية و عسكرية خطيرة على إسبانيا و فرنسا بالخصوص، مما اضطرت هاتان الدولتان للتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية للقضاء على الثورة الريفية قبل أن تستفحل شوكة عبد الكريم الذي بدأ يهدد كيان فرنسا ويقض مضجعها، فشن التكالب الاستعماري هجوما عنيفا و كاسحا بريا و بحريا وجويا،

واستعملت في هذه الحملة العدائية المحمومة أبشع الأسلحة المتطورة الخطيرة السامة لأول مرة، وتم تجريبها على الريفيين الأبرياء من أجل مطامع استعمارية دنيئة،

هذه نظرة موجزة عن معركة أنوال التي ستبقى ذكراها راسخة في تاريخ المغرب الحديث، وما أحوجنا اليوم إلى تمثل دروس هذه المعركة بقيمها النبيلة وأخلاقياتها الرفيعة وبطولاتها الخارقة التي تذكرنا بأمجاد ومعارك وحروب أسلافنا الأشاوس الميامين! وما أحوجنا للتشبع بقيمها الوطنية والقومية للنهوض بوطننا العزيز و أمتنا الإسلامية، والتمسك بالوحدة الترابية لمواجهة كل مناورات المعتدين وأطماع الاستعمار المباشر وغير المباشر.

  1.  REGAN, Geoffrey. “Historia de la incompetencia militar.” Editorial Crítica. 2001. Pagina 347
  2.  Long, David E. (2002). The Government and Politics of the Middle East and North Africa

الصور :amsagarمعركة أنوالأنوال حرب الريفحرب الريفمحاربون الريفيينمجاهدون الريفمستعمرون اسبانيا الريفالريفيين المجاهدونحرب الريفخسارة اسبانياانتصار معركة أنوالموتى الاسبانراية الريف

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock